حرية الرأي
إن حرية الرأي مبدأ مقدس يقره الدين وتقره الأخلاق الإنسانية
العالية، ذلك أن الرأي تعبير عن الشخصية وشخصية الإنسان تتشكل
من عدد من المكونات تتأتى من الأسرة والبيئة الاجتماعية ومن
الوسط العائلي والتربية وكذلك من الوسط المهني الذي ينشط فيه
الإنسان وغير ذلك كثير... وهناك جانب آخر يتدخل في تشكيل الرأي
المعبر عن الشخصية وهو مجموع الحاجات المادية والمعنوية التي
ينزع الإنسان إلى تحقيقها وإرضائها.
وإذا ما اختلف الناس في آرائهم فإنما يرجع ذلك إلى اختلاف
هذه المكونات أو المؤثرات التي تدخلت وتداخلت في تشكيل شخصياتهم...
فالرأي إذن هو تعبير عن شخصية الإنسان وليس تعبيرًا عن الواقع
بله أن يكون تعبيرًا عن الحقيقة ولهذا يقول العقلاء كما يروى
عن الإمام الشافعي رضي الله عنه: »رأيي صواب يحتمل الخطأ،
ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب«. فالرأيان كلاهما إذن يستحق الاحترام
بل ويستوجبه، ولا تجوز الاستهانة به ولا تسفيهه.
إن حرية الشخص هي التي تضمن له الحق في إبداء رأيه، غير أن
إبداء الرأي لا يعني بالضرورة صوابه ولا حق إلزام الغير به
ما دام صاحب الرأي يعبر به كما قلنا عن شخصيته هو في حالة
الإفراد.
لكن الأمر يتغير عندما يكون المرء شريكا في قضية ما أو في
إحدى المهام، بحيث تكون سيرورة تلك القضية لا تقبل إلا مسارًا
واحدًا، ولا يتم إجراؤها إلا بطريقة واحدة... وفي هذه الحال
يمكن للشركاء أن يدلي كل منهم برأيه وقد تختلف عندئذ الآراء
باختلاف تجارب الشركاء وثقافتهم ومدى معرفتهم لمجريات القضية
التي يشتركون فيها فيضطرون إلى أن يتنازل بعضهم لبعض، وأن
يسلم بعضهم ليعض، بل إنهم قد يلجأون إلى طريقة ما من طرق الاختيار
إذا ما تساوت الآراء وتكافأت كأن يتفقوا على الاقتراع أو على
التصويت حتى يتعين (الموقف المقبول) والإجراء المتبع.
فإذا سارت الأمور على هذا المنوال فلا شك أن المشروع سوف
يكلل بالنجاح حتى ولو تعين إجراء بعض التعديلات في بعض مراحل
إنجازه وهذا بشرط أن يلزم كل شريك نفسه باحترام ذلك (الموقف
المقبول)، وأن لا يعترض عليه فيما بعد. وأن لا يبحث خلال مساهمته
في إنجاز العمل الجماعي عن الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها
إلى الانحراف عما هو متفق عليه. بحيث يحذف ما لم يكن راضيا
عنه عند الالتزام (بالموقف المقبول) ويعوضه بما كان يراه صحيحًا؛
إذ أن مجرد الاتفاق على (الموقف المقبول) يقتضي التنازل عن
الرأي الشخصي وتبني رأي الجماعة...
ذلك أن الالتزام بالموقف المقبول منذ بداية المشروع لمن كان
من المؤسسين أو عند الالتحاق لمن كان من المنتسبين هو بمثابة
العقد أو العهد، والناس عند عقودهم وعهودهم. والإخلال بالعقد
يعتبر إخلالا بالعهد. ولهذا كان من علامات الإيمان الوفاء
بالعهد ومن علامات النفاق الإخلال به كما جاء في حديث رسول
الله صلى الله عليه وسلم. لأن المتعاقد بعد أن رضي ببنود العقد
لم يعد له رأي مقبول خارج تلك البنود. ولا يحق له أن يدعي
ممارسة حريته في مخالفة العقود، لأن حريته قد مارسها أثناء
التعاقد، ومدة العمل بمقتضى عقده. وسوف تظل تلك الحرية قائمة
ما دام المرء متعهدًا بما تعاقد عليه ملتزمًا به فإذا تخلى
عنه فقد جعل بقية المتعاقدين في حل من التزامهم معه، بل يصبح
من حقهم مقاضاته، ونبذه وليس له أن يعتبر مقاضاتهم له تعديًا
على حريته، هذه الحرية التي تخلى عنها يوم تخلى عن التزاماته.
لأن حرية الإنسان إنما استحقها بمقتضى العقل الذي وهبه له
الله سبحانه وتعالى. والعقل في جوهره هو عدم التناقض. فلا
يصح أن يلتزم العاقل (بالموقف المقبول) ويرفضه في نفس الوقت.
ومن المعضلات الكبرى التي يتعرض لها الناس وتكون أساسًا في
الاضطرابات والمشكلات التي يقعون فيها أفرادًا وجماعات، أنهم
يغفلون هذه الحقيقة؛ وهي أن الحرية التي يتمتعون بها إنما
هي وليدة العقل. ويتوهمون أن الحرية هي التي تمكنهم من أن
يعبروا عن مواقف تخالف حقيقة ما هم عليه في الواقع، وأنهم
أحرار في أن يخالفوا ما أعلنوا التزامهم به... وأن يغيروا
مواقفهم كما يغيرون ملابسهم... وإذا دعاهم واعظ أو ناصح إلى
التعقل تعللوا بحريتهم تلك، وإذا قاضاهم المتضررون من تصرفاتهم
صاحوا بأعلى أصواتهم، وقد يضيفون لها أبواقا: واحريتاه! وارأياه!
إن هذا الصنف من البشر لا يحق له أن يتذرع بالحرية ولا أن
يدعيها ما دام قد هد أساسها الذي هو العقل فأصبح عبدا للهوى
بعيدًا عن الحق. ولم يعد صالحًا للتعاقد على خير، ولا قادرًا
على بناء مؤسسة ولا مجتمع ولا دولة، لأن ما يقوم على الحق
الثابت لا يمكن أن يقوم على الأهواء المتقلبة لو اِتبع الحق
أهواءهم لفسدتِ اِلسماوات والارض ومن فِيهِن [المومنون/71]؛
إن هذا الصنف من البشر يصفه القرآن أحيانا بالمكر. قال تعالى:
(وكذلِك جعلنا فِي كل قريةٍ أكابِر مجرِمِيها لِيمكروا فِيها
وما يمكرون إِلا بِأنفسِهِم وما يشعرون) [الأنعام/ 123]؛ ويصفه
أحيانا أخرى بالفسق: وما وجدنا لأكثرِهِم من عهدٍ وإِن وجدنا
أكثرهم لفاسِقِين [الأعراف/102]؛ ويصفه أحيانا حسب السياق
بالنفاق، قال تعالى: (إِذا جاءك المنافِقون قالوا نشهد إِنك
لرسول اللهِ والله يعلم إِنك لرسوله والله يشهد إِن المنافِقِين
لكاذبون)[المنافقون/01].
يقول أبو حامد الغزالي" إن الذي يقهر شهواته هو الحر
بالتحقيق" فالحرية نعمة من الله أنعم بها على الإنسان
في كنف العقل، فإذا تجاوز الإنسان حدود العقل فقد خلع ثوب
الحرية وبدت جميع سوأته، ليس في مجال الرأي فحسب، ولكن في
كل ما يأتي من عمل. ورحم الله شوقي إذ يقول:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ***** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
د. بوعبد الله غلام الله
وزير الشؤون الدينية والأوقاف -الجزائر
|