|
| مباحث
من فقه الصيام |
الأستاذ.
موسى اسماعيل
إنه لمن دواعي الغبطة والسرور أن يوفقني الله
لإنجاز هذه الرسالة في فقه الصيام، بعد أن لمست الحاجة إليها،
ورغب الكثير من الإخوان في نشرها وإخراجها للناس لتعم بها
الفائدة، وآمل أن أكون قد وفّقت في تلبية بعض رغباتهم، وأن
تحوز رضاهم وتحظى بقبولهم، آملا أن يعم النفع بها، وأن يجد
فيها أخي الصائم بغيته في معرفة أحكام صومه، وما يلزمه من
آداب يذوق بها حلاوة الإيمان، وتوصله إلى مراتب السالكين وتبلغه
سبيل المتقين.
أما بعد،
فتعريف الصيام لغة: هو الإمساك والكف عن الشيء مطلقا، وترك
التنقل من حال إلى حال. ومنه قوله تعالى حكاية عن مريم عليها
السلام:( إنّى نذرت للرّحمان صوما فلن أكلّم اليوم إنسيّا([مريم/26]،
أي إني نذرت لله صمتا وإمساكا عن الكلام.
وشرعا: هو الإمساك عن المفطرات من طلوع
الفجر إلى غروب الشمس بنية.
حكم الصيام: صيام شهر رمضان واجب على كل مكلف توفرت فيه شروطه.
وقد فرضه الله في السنة الثانية من الهجرة لليلتين خلتا من
شهر شعبان.
دليل وجوبه: ثبت وجوبه بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب، فقوله: ( يآأيّها الّذين
ءامنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم لعلّكم
تتّقون )[البقرة/183]. وقوله : ( شهر رمضان الّذى أنزل فيه
القرءان هدى لّلنّاس وبيّنات مّن الهدى والفرقــــــان فمن
شهد منكم الشّهر فليصمه )[البقرة/185].
وأما السنة: فقد تواتر عن النبي أنه صام
رمضان وأمر به، وجعله ركنا من أركان الدين. فعن عبد الله بن
عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((بني الإسلام على
خمس: شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه،
وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، وحجّ البيت، وصوم رمضان))[متفق
عليه].
وعن طلحة بن عبيد الله: ((أنّ رجلا سأل
النّبيّ فقال: يا رسول الله، أخبرني عمّا فرض الله عليّ من
الصّيام؟، قال: شهر رمضان، قال: هل عليّ غيره؟ قال: لا، إلاّ
أن تطوّع))[متفق عليه].
وأما الإجماع، فقد أجمع الصحابة والأئمة
بعدهم على وجوب صيام رمضان، ولم يخالف في ذلك أحد.
فمن جحده فهو كافر مرتد، لتكذيبه القرآن الكريم وما تواتر
عن النبي، ولإنكاره ما أجمعت عليه الأمة.
فضل الصيام والحكمة من مشروعيته:
أولا: فضل الصيام: ورد في فضل الصيام أخبار كثيرة عن النبي،
تحث المسلم على المحافضة عليه واحترام حدوده، لينال فضله ويفوز
بأجره.
- فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((قال الله: كلّ عمل ابن
آدم له، إلاّ الصّيام فإنّه لي وأنا أجزي به. والصّيام جنّةٌ.
فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يسخب، فإن سابّه أحدٌ
أو قاتله فليقل : إنّي امرؤٌ صائمٌ. والذي نفس محمّد بيده،
لخلوف فم الصّائم أطيب عند اللّه من ريح المسك. وللصّائم فرحتان
يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربّه فرح بصومه))[متفق
عليه].
- وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله: ((ما من عبد يصوم
يوما في سبيل اللّه، إلاّ باعد اللّه بذلك اليوم وجهه عن النّار
سبعين خريفا))[متفق عليه].
- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي
قال: ((الصّيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصّيام:
أي ربّ، منعته الطّعام والشّهوات بالنّهار، فشفّعني فيه، ويقول
القرآن: منعته النّوم باللّيل فشفّعني فيه، فيشفّعان))[أحمد].
- وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله: ((إنّ في الجنّة بابا
يقال له الرّيّان، يدخل منه الصّائمون يوم القيامة، لا يدخل
معهم أحدٌ غيرهم، يقال: أين الصّائمون؟، فيدخلون منه، فإذا
دخل آخرهم أغلق فلم يدخل منه أحدٌ))[متفق عليه]. وزاد النسائي
وابن خزيمة في روايتيهما: ((من دخل شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا))[صحيح].
- وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((إذا جاء رمضان فتّحت
أبواب الجنّة، وغلّقت أبواب النّار، وصفّدت الشّياطين))[متفق
عليه]. وفي رواية أخرى: ((صفّدت الشّياطين مردة الجنّ))[الترمذي
وابن ماجه].
ثانيا: الترهيب من الإفطار في رمضان: عن أبي أمامة الباهلي
قال: سمعت رسول الله يقول: ((بينا أنا نائمٌ أتاني رجلان فأخذا
بضبعيّ، فأتيا بي جبلا وعرا، فقالا: اصعد. قلت: إنّي لا أطيقه.
فقالا: إنّا سنسهّله لك. فصعدت حتّى إذا كنت في سواء الجبل
إذا بأصوات شديدة، فقلت: ما هذه الأصوات ؟!. قالوا :هذا عواء
أهل النّار. ثمّ انطلق بي، فإذا أنا بقوم معلّقين بعراقيبهم،
مشقّقة أشداقهم، تسيل أشداقهم دما. قال: قلت: من هؤلاء؟ قال:
الّذين يفطرون قبل تحلّة صومهم))[حديث صحيح].
ومعنى قوله: ((الّذين يفطرون قبل تحلّة صومهم))، أي أنهم يتعجلون
الفطر قبل حلول وقته، فيفطرون قبل غروب الشمس، أو أنهم يتعمدون
الفطر في رمضان من غير عذر قبل انقضاء الشهر.
فانظر أخي المسلم إلى حال هؤلاء الذين
يتعمدون الفطر في رمضان، وينتهكون حرمته، وهو يعوون ويصرخون
في جهنم من شدة العذاب، وقد علقوا من أقدامهم، والدماء تسيل
من أفواههم، فياله من عقاب.
فاغتنم أخي هذا الشهر الكريم، وكن من الصائمين نهاره، القائمين
ليله، لتنال فضله وتحوز أجره.
وإياك أن تنساق وراء إغراءات شياطين الإنس والجن، أو تستجيب
لهوى نفسك الأمارة بالسوء، فتندم يوم لا ينفع الندم، وتستغيث
ولا مغيث، وتقــول:( يا حسرتى على ما فرّطتّ فى جنب الله وإن
كنت لمن السّاخرين أو تقول لو أنّ الله هدانى لكنت من المتّقين
أو تقول حين ترى العذاب لو أنّ لى كرّة فأكون من المحسنين
بلى قد جآءتك ءاياتى فكذّبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين
)[الزمر/56-59].
وصدق من قال:
تأهب للذي لا بـد منه
فإنّ الموت ميقات العباد
أترضى أن تكون رفيق قوم
لهم زادٌ وأنت بغير زاد
ثالثا: الحكمة من مشروعيته: شرع الله الصيام لحكم جليلة، نذكر
منها ما يأتي:
1- إعداد المسلم إعدادا روحيا: حيث تتربى نفسه على الطاعة
وامتثال أمر الله، فالصائم الذي يترك شهواته المباحة ويتحمل
المشقة، تتربى نفسه على الصبر، وتقوى فيه العزيمة على أداء
الواجبات واجتناب المحرمات، ويتخلص من أسر الشهوات، فيصير
عبدا لله لا عبدا لهواه، ويتحقق فيه قوله تعالى:( وأمّا من
خاف مقام ربّه ونهى النّفس عن الهوى فإنّ الجنّة هى المأوى)[النازعات/40-41].
2- مداواة النفس وعلاجها من وساوس الشيطان:
لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم كما أخبر بذلك طبيب
الأرواح [البخاري ومسلم]. فالمسلم الذي يصوم رمضان إيمانا
واحتسابا، ويعرف حدوده، تزكو نفسه وتطهر، وتتربى على تقوى
الله، وتنمو فيه ملكة المراقبة والحياء من الله، وتنمحي عنه
آثار الغفلة، ويصبح توّاقا إلى الطاعة، مشتاقا إلى العبادة،
فلا يرى إلا حيث يحب الله ويرضى، كما قال في حكمة الصوم: (
يآأيّها الّذين ءامنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين
من قبلكم لعلّكم تتّقون)[البقرة/183
3- تزويد النفس بالطاقة الإيمانية: فقد
جعل الله رمضان موسما من مواسم الطاعات، ومحطة للتزود بالإيمان،
فكلما تعبت النفوس من هموم الحياة، وفترت عن أداء الواجبات،
ونالها من الكسل والفتور ما يقعدها عن المهمات، جاء رمضان
من جديد ليبعث في القلوب الحياة، ويفيض عليها من الخيرات والبركات،
ويجبر ما أصابها من الخلل والهفوات.
والمسلم خلال إحدى عشرة شهرا قد تغلبه نفسه، وتصيبه الدنيا
بمشاغلها، وتلهيه بملذاتها، وتحيي فيه الرغبة في الشهوة الزائفة،
وتأسره اللذة الجارفة، فيأتي رمضان بأنواره الإلهية، ونفحاته
الربانية، وخطراته الإيمانية، فيعيد للنفس صفاءها وصلاحها،
وللقلوب إيمانها وتقواها، ويربط صلتها بربها، ويملؤها بقوة
اليقين والإرادة، فتنقاد عن حب وطواعية إلى عمل الخير ومواطن
الطاعة.
فاغتنم أخي هذا الشهر الكريم، وتزود منه قبل فواته، فلعلك
لا تلقاه بعد رحيله، فإنك إن صمته وصنته، وأحييت ليله وقمته،
فزت بالجائزة، وصدق الله إذ يقول: ( فمن زحزح عن النّار وأدخل
الجنّة فقد فاز )[آل عمران/185].
4- تنمية خلق البذل والإحسان: فالصائم
إذا امتنع من الأكل والشرب طول نهاره، يشعر بما يعانيه إخوانه
المسلمون من ويلات الجوع، وشدة البؤس والحرمان، ويحس بآلامهم،
ويسمع أنينهم، فيسرع إلى مدّ يد العون لهم، وسد حاجاتهم، ولا
يهنأ له بال أن يبيت شبعان ويبيت أخوه المسلم جائعا.
5- الحفاظ على الصحة: فقد قرر الأطباء
في القديم والحديث أن للصوم تأثيرا عجيبا في علاج بعض الأمراض،
وتخليص الجسد من العلل. وأنه يساعد على تنظيم الهضم، والتخلص
من السموم والميكـــروبات، وصدق الله إذ يقول:( وأن تصوموا
خيرٌ لّكم إن كنتم تعلمون )[البقرة/ 184].
6- إظهار المساواة بين المسلمين: فالكل
ممتثل لأمر الله ، رجال ونساء، عامة وأمراء، فقراء وأغنياء،
ضعفاء وأقوياء، يمسكون عن المفطرات في وقت واحد، ويفطرون في
وقت واحد، ويقومون في صلواتهم في صفوف متراصة، حبا وطاعة للواحد
الأحد الفرد الصمد، ولاشك أن الأمة إذا اتحدت مشاعرها وغاياتها،
توحدت كلمتها وصفوفها، وكانت جديرة بأن تكون مثال العدل والإخاء
والمساواة.
7- تعلم النظام والانضباط: قد لا ينضبط
المسلم في حياته اليومية، أو يتعود على عدم النظام واللامبالاة،
فإذا جاء رمضان الكريم وصار يكف عن المفطرات، ويترقب موعد
الإفطار والإمساك، ويلتزم بأداء الصلاة في أوقاتها مع الجماعة،
ويحرص على صلاة التراويح في المسجد، تعلّم أهمية الوقت، وأن
الحياة عمل وجدّ، وأن الكيس من عرف كيف يملأ فراغه ويجعل لنفسه
برنامجا يسير عليه، ويتخذ من أسباب الفلاح والنجاة، ويشمر
عن سواعد الجدّ والنشاط، ويطلّق أسباب الكسل والخمول غير مبال
بالتعب والمشقة، ويغتنم صحته قبل سقمه، وفراغه قبل شغله، وغناه
قبل فقره، وشبابه قبل هرمه، وحياته قبل موته، لينجو ممن قال
فيهم الله: ( اقترب للنّاس حسابهم وهم فى غفلة مّعرضون ما
يأتيهم مّن ذكر مّن رّبّهم مّحدث إلاّ استمعوه وهم يلعبون
لاهية قلوبهم )[الأنبياء/1-3].
وبالله التوفيق ومنه السداد. |
|
|
|
|
|