|
| الجانب
الإنساني في الثورة التحريرية |
|
الأستاذ.
محمد الصالح الصديق
الثورة في المفهـوم العصـري الحديث كـل تغيـير يحدث لأمة من
الأمم.
ثم إن من الثورات ما يحدث ببطء وسلام تحت تأثير التقدم والخلق
ومنها ما يحدث فجأة بدافع من إرادة الأمة قصد تحقيق مطمع من
مطامعها، وأغلى مطامع الأمم والشعوب الحرية والاستقلال، وهذا
النوع لابد فيه من سفك الدم ومن العذاب والجوع والحرمان، وإنما
تختار الأمم هذا النوع من الثورات عندما تنسد أمامها الطرق
والأبواب ولا تجد طريقا إلى هدفها إلا الموت والعذاب، والثورة
بما يسفك فيها من دماء وما يزهق من أرواح، هو المهر الغالي
الذي يدفعه الثوار لوطنهم ويمهرون له الحياة والحرية والكرامة.
وبما أن الثورة المسلحة هي انتفاضة شعب فاضت كأسه من الألم
وضجت نفسه من الضيق والحرمان، ومل من الأوضاع الفاسدة التي
ظل يعانيها أمدا طويلا فإن الثوار يحملـون في أعماقهم من البغض
والكراهية والحقد، ما يجعلهم لا يكتفون بقتل الأعداء بل هم
ينتقمون منهم بالتمثيل بجثتهم أحيانا أوبالقتل الجمـاعي –أحيانا–
الذي يشبه الإعصار المزمجر الذي يأتي على أوراق الخريف أو
النار المستعرة التي تأتي على الأخضر واليابس.
ومن هنا يعقب أن يتصور في الثورة رفق أولين أو سماحة، وبالأحرى
أن يقال وإنها ثورة إنسانية، ولكن ثورة التحرير الجزائرية
تخرج عن هذا الحكم، ويقال عنها بجدارة وموضوعية إنها إنسانية.
ويتضح ذلك بجلاء لمن عاشها وواكب حياة جيش التحرير الوطني
في مختلف مراحله وأماكنه لأن جيش التحرير بمختلف تراكيبه هو
الذي يخوض المعارك ويقابل العدو، وهو الذي يعكس هذه الثورة
بكل صدق وعمق وبعد.
إن سنوات الاحتلال البغيض المظلم الذي عاشه شعبنا وقاسى فيه
ألوانا من الظلم وضروبا من الشقاء طهرته وجعلته شعبا يمتاز
بأخلاق كريمة قويمة وظلت هذه الأخلاق كامنة تنتظر الفرصة وتتحين
المناسبة حتى دقت الساعة واندلعت ثورة نوفمبر، 1954م، وعندئذ
ارتفع الستار عن تلك القيم والفضائل فانكشفت على حقيقتهـا
قوية ناصعة فأنبهر العالم واندهش وصارت مثار الإشارة والتندر
في كل مكان.
وجيش التحرير الوطني هو المرآة التي تعكس تلك القيم والأخلاق،
والصورة الصادقة التي تنطق بأصالة الشعب الجزائري وتاريخه
وأمجاده، وتصبغ ثورته بصبغة الإنسانية، وقد كان في الأشهر
الأولى من ثورته لا يملك إلا التوجيهات العامة ولما عقد مؤتمر
الصومام في 20 أوت 1956م، سنت قوانين، وحددت معالم يقف عندها
كل مجاهد، وكان من تلك القوانين تحريم الإعدام ذبحا، والتمثيل
بالشخص أو تشويه خلقته، وتحريم الاعتداء بكل ألوانه وأنواعه،
ونص القانون على أن ((كل من يعتدي على عرض فتاة أو امرأة يحكم
عليه بالإعدام)).
فكانت هذه القوانين الصارمة تتجاوب كل التجـاوب مـع ما يشعر
به المجاهد في أعماقه من أحاسيس وما يؤمن به من سلوك، وما
طبع عليه من أخلاق.
وليس لنا في هذا المقام أن نستعرض باستقصاء صورا تتجلى فيها
أخلاقية المجاهد الجزائري لأن ذلك يقتضي دراسة خاصة ويكلفنا
على الأقل مجلدا ضخما ولكن يكفي أن نورد حادثة واحدة من بين
مئات الأحداث ترينا أخلاقية المجاهد في جيش التحرير، وعفته
وسفالة الجيش الفرنسي وتهوره ونذالته.
إن الثورة التي كان يقودها جيش التحرير الوطني ثورة منظمة
هادفة بكل ما تحمله هذه الكلمات من معـان وأبعاد، أما الحرب
التي يقودها الجيش الفرنسي فهي حرب وحشية ضد الشعب الجزائري
تستهدف الإبادة الجماعية، والمسخ والتشويه والانتقام ويدفعه
في كل ذلك تكالب.. وعنصرية.. ووحشية (ورغبة ملحة في دوس القيم
والفضائل).
ولعل الصورة التالية تكشف عن ذلك وإن كانت الألفاظ والتعابير
مهما كانت لا تصف الحقيقة:
نصبت كتيبة من جيش التحرير الوطني كمينا لقافلة عسكرية فرنسيـة
للتموين في مكان يدعى ( لقـلاب ) بالقـرب من مدينة باتنة في
شهر أوت 1959م، واستمر القتال بين الجانبين عنيفا قرابة نصف
ساعة قتل خلاله أغلب الجنود الفرنسيين وتمزقت جثث بعضهم واختلطت
بسيارات حطمتها مدفعية جيش التحرير.
إلى هنا فالأمر عاد ليس فيه ما يستلفت النظر أو يثير الاهتمام
لأن المعارك والكمائن والاشتباكات تتكرر كل يوم في مختلف أنحاء
القطر الجزائري والمجاهدون يسجلون كل يوم انتصارا على العدو..
ولكن الأمر الذي راع المجاهدين وأثار عجبهم إلى حد الدهشة
هو أنهم لم يكادوا يأخذون في جمـع الأسلحـة التي رميت في الأرض
وفوق الجثث -وقد انسحب من أخطاهم الموت– حتى رأوا فتيات فرنسيات
يخرجن بين الصخور وهن يرتعدن روعا وفزعا.وقف المجاهدون في
حيرة من أمرهن وعجبوا أن يسلمن من الرصاص الذي كان يمطر كل
منطقة الكمين قرابة نصف ساعة انه الأجل … الذي ما يزال فيه
بقية…
تقدمت اثنتان وقد أصابهما عي واضطراب من هول الموقف، وتمشت
صفرة فاقعة في وجههما فوقفنا أمام جمع من المجاهدين كأنهما
تريدان أن تقولا شيئا ولكن اللفظ أحتبس عليهما فصارتا تنظران
إليهم في وجوم غريب …
واستطاعت إحداهما أن تجمع قواها وتقول في لهجة حزينة متهافتة:
(لا تقتلونا.. نحن نسوة…)
فتقدم المجاهدون ونزعوا منهن السلاح الذي كن يحملنه ثم ألتفت
إليهن أحدهم وقال: ((لا عليكن.. نحن ثرنا لنحارب الرجال لا
النساء..)) ثم تأهب المجاهدون للانسحاب وانطلقوا ومعهم الفتيات
الأربع حتى وصلوا إلى جبل (مستوى) جنوب (باتنة) حيث توجد تحصينات
جيش التحرير المنيعة وهناك أفردوا مكانا خاصا للفتيات الفرنسيات
حيث قدموا إليهن طعاما وفرشا وأحاطوهن بسياج منيع من الأمن
وعشن مع المجاهدين مدة في طمأنينة وسلام حتى أنهن دهشن من
المعاملة الإنسانية المثالية التي يعاملن بها من قبل جيش التحرير،
وصرحن للصحافيين بعد إطلاق سراحهن أنهن وجدن ما لم يخطر على
بالهن يوما من الرجولة والشهامة والعفة والكرم.
وفي الوقت الذي كانت الفتيات الفرنسيات يتلقين من المجاهدين
كل احترام ويعاملن معاملة إنسانية مثالية كان الجنود الفرنسيون
يرتكبون أفظع الجرائم الخلقية مع النساء الجزائريات في بيوتهن
في نفس الناحية في منطقة ( خنشلة ) وفي ناحية (سلانيس).
وفي ناحية ( بابار) قرب قرية (سلانيس) توجهت قوات كبيرة من
الجنود الفرنسيين إلى القرية المذكورة، فقتلوا مدنيا ومجاهدا
مريضا كان يعالج هناك ثم أخذوا معهم فتاتين، إحداهما أخت المجاهد
الجريح – وامرأتين، وسيق أربعتهن إلى المركز الفرنسي، وبعد
محاولات الاستنطاق فعلوا بالمرأتين ما لا يتصور، من ذلك اعتداء
ستين جنديا على شرفهما.
وهكذا يتجلى الفرق بين جيش التحرير الوطني الذي يقال عنه إذ
ذاك أنه مجموعات من الإرهابيين الوحشيين الخارجين عن القانون
… وبين الجنود الفرنسيين الذين تخرجوا من معاهد وكليات، وجاءوا
للجزائر ( ليقضوا على الإرهاب والوحشية وليقيموا دعائم التمدن
والتحضر).
إن انتهاك الجنود الفرنسيين للحرمات فصل طويل لا نهاية له،
وصفحة سواء تفوق كل وصف، ولا نستطيع أن نكتب إلا سطورا قليلة
لكثرتها، وللشعور، بالانقباض والاشمئزاز من الحديث عنها وحسبك
– أيها القارئ الكريم – أن تعرف أنه لم تسلم قرية ولا ناحية
من هذه الفواحش والموبقات التي يندى لها جبين الإنسانية.
إن الجندي الفرنسي قد تخصص في الإجرام الخلقي منذ حرب الهند
(الصينية) ومارس الرذيلة حتى أصبحت طبعه الخلقي الذي يعسر
عليه الانفلات منه … والفضائع الوحشية، والموبقات الخلقية،
التي كان يرتكبها في الجزائر خارجة عن نطاق الأعمال العسكرية
البحتة وداخلة في نطاق الجرائم الفردية التي تعاقب عليها كل
القوانين في العالم أجمع… ومع ذلك فهي وفي نظر القادة والضباط
الفرنسيين قانونية يشجع عليها مرتكبها.. وكم من ضابط ترقى
لإنجاز عمليات إجرامية تفوق كل تصوير.
إن الجندي الفرنسي ينفلت من زمام العقل الذي يتحكم في العاطفة،
ويدعو إلى التفكير في عواقب الأمور فتراه يهبط إلى حيوانية
الجنس، ويتحول إلى نزوة بهيمية مسعورة مكلوبة، وعندئذ لا يقيم
أي وزن للقيم ولا أي حساب للاعتبارات المختلفة التي تخطر ببال
العاقل المفكر، فيصبح مفترسا ( لا يكاد ينتهي من الاعتداء
على شرف حتى يبحث عن شرف آخر يلوثه ويدنسه في بهيمية ووحشية
) وقد يعمد إلى طريقة لا أحط منها ولا أدل على فقدان الآدمية
منها…
أما المجاهد في جيش التحرير فإنه يلقى القبض على فتيات فرنسيات،
وهو رجل يتمتع بكل ما يتمتع به الجندي الفرنسي من القوة البدنية
والنفسية، فيعيش معهن أشهرا، ويتمكن منهن كما شاء ويشعر بالإحساس
الجنسي نحوهن، ولكنه لا يقترف ولو أدنى سوء بل قد لا يخطر
بباله إقدام على مالا يتفق والأخلاق العامة … ذلك لأنه يغلب
نفسه ويسيطر على نوازعه البهيمية، ويتحكم في عاطفته، ويفكر
في عواقب الأمور، ويقرأ ألف حساب لسمعة الثورة التي هي سمعته
وتاريخها الذي هو تاريخه.
لأنه لا يخضع إلا لنزوعه النفسية، ونزواته البهيمية، إن جيش
التحرير جيش نظامي واع يخضع للرأي والتدبير والخطة، ويستجيب
لنداء الشعور الإنساني والضمير اليقظ الذي زوده به دينه وتربيته،
وهمه –الذي يشغل عليه مشاعره، وأحاسيسه– والموانع التي حالت
بينه وبين حريته وسيادته وسعادته.
وتأتي رجولة جيش التحرير وشهامته وإنسانيته في طليعة المزايا
الشخصية الكثيرة التي رفعت ثورة التحرير الجزائرية إلى أعلى
مكانة في تاريخ الثورات التحريرية فاكتسبت بذلك عطف العالم
وتقديره وتأييده ثم حققت نصرها المبين.
وإذا كان الاحتفال بالذكريات يهدف أولا وبالذات إلى العظة
والاعتبار للتزود بالوقود لمواصلة السير على الدرب الصاعد
ومضاعفة الجهد من أجل حيــاة أفضل فإننا في هذه الذكرى من
ذكريات ثورة نوفمبر الخالدة، إنما عرضنا طائفة من أخلاق هذا
الجيش البطل للعظة والاعتبار، وإلا فليس ما ذكرنا إلا كلمات
قيلت وقصص رويت…
إن العبرة التي نستحليها مما ذكرناه هي أن جيـش التحريـر الوطني
لم ينتصر على الحلف الأطلسي إلا بمزايا وخصائص كان يتمتع بها
ولم يكن عدوه يملكها وهذه حقيقة لا يشك فيها إلا من يشك في
البديهيات الأولية.
وبسلوكه المثالي حتى مع عدوه اكتسب إعجاب العالم وعطفه وتأييده
ومؤازرته، وبأخلاقيته الحضارية كانت ثورته ثورة إنسانية تميزت
عن كثير من ثورات العالم إن لم نقل عن جميع الثورات المعروفة
عبر التاريخ.
فلنحافظ نحن على هذه المزايا والخصائص ولنتسلح بها ولنعش بها
وعليها ومن أجلها وإذا كان جيش التحرير عفيفا شهما متسامحا
إنسانيا وهو في جبهة القتال ومع عدوه الغاشم الغادر الذي لا
يعرف الرحمة … فكيف ونحن نعيش أسرة واحدة في ظل الحرية والسيادة
والاستقلال ؟؟.
|
|
|
|
|
|