|
| وثيقة
تاريخية نادرة: "البيان الفرنسي الأول إلى الجزائريين" |
خلية الإعلام
خلال بحث المؤرخ الفرنسي هنري لورنس
في إشكالية مقدمات انبثاق العالم العربي الحديث –وهو بحث أثمر
عددًا من الكتب والمقالات المهمة التي نشرت له في السنوات
الأخيرة– عثر على النص العربي للبيان الأول الذي وجهه إلى
الجزائريين في حزيران (يونيو) 1830 الجنرال "دوبورمون"،
القائد العام لجيش الحملة الفرنسية على الجزائر.
يتميز هذا البيان، شأنه في ذلك شأن بيان "نابوليون بونابرت"
إلى المصريين في تموز (يوليو) 1798 بأهمية خاصة في فهم خطاب
التوسع الاستعماري في الشرق والتحولات التي مسَّت هذا الخطاب
منذ زوال حكومة الإدارة في فرنسا وحتى الأيام الأخيرة لزمن
عودة الملكية؛ ولئن كان البيان الثاني قد طبع على المطبعة
نفسها التي طبعها عليها بيان تموز 1798، فإن اللسان الذي يتحدث
به لم يعد لسان "الجمهور الفرنسي المبني على أساس الحرية
والتسوية"، بل لسان، "سلطان فرنسا وعزة جنابـه الأعلى"،
وإن كان الهدف التوسعي واحدا.
عثر لورنس على النص العربي للبيان في العدد السادس من مجلة
"ريفي أفريكان"، (المجلة الإفريقية) الصادر في عام
1862:
اهذه
مناداة من سار عسكر أمير الجيوش الفرانساوية إلى سكان الجزائر
وأهالي القبائل: بسم الله المبدئ المعين وبه نستعين
يا أيها (السادة) القضاة والأشراف والعلماء وأكابر المشايخ
والاختيارية، اقبلوا مني أكمل السلام وأشمل أشواق قلبي بمزيد
العز والإكرام.
أما بعد:
اعلموا، هداكم الله إلى الرشد والصواب، أن سيادة سلطان فرانسه
مــخدومي وعزة جنابه الأعلى، عز نصره، قد أنعم علي بتوليته
أياي منصب سار عسكر، ويا أعزًا (اعز) أصدقائنا ومحبينا سكان
الجزائر، ومن ينتمي إليكم من شعب المغاربة إن الباشا حاكمكم
من حيث إنه تجراء (تجرأ) على بهدلة بيرق فرانسه المستحق كل
الاعتبار وأقدم على إهانته، فقد سبب بجهله هذا كل ما هو عتيد
أن يحل بكم من الكوارث والمضرات، لكونه دعى عليكم الحرب من
قبلنا.
فإن عزة اقتدار سلطان فرانسه، دام ملكه نزع من قبله مرحمته
المعهودة و(رأفته) المعروفة المشهورة. فلا بد أن هذا الباشا
حاكمكم، من قلة بصيرته وعماوة قبله، قد جذب على نفسه الانتقام
المهول، وقد دنا منه القدر المقدر عليه وعن قريب يحل به ما
استحقه من العذاب المهين.
أما أنتم، يا شعب المغاربة، اعلموا وتأكدوا يقينا أني لست
آتياً لأجل محاربتكم، فعليكم أن لا تزالوا آمنين ومطمئنين
في أماكنكم، وتعملوا أشغالكم وكل ما لكم من الصنائع والحرف
براحة سر، ثم إني أحقق لكم أنه ليس فينا من يريد يضركم، ولا
في أعيالكم (عيالكم).
ومما أضمن لكم، أن بلادكم وأراضيكم وبساتينكم، وحوانيتكم،
وكل ما هو لكم، صغيرا كان أو كبيرا، فيبقى على ما هو عليه،
ولا يتعرض لشيء من ذلك جمعيه أحد من قومنا، بل يكون في أيديكم
دائما، فآمنوا بصدق كلامي، ثم أننا نضمن لكم أيضا ونعدكم وعدا
حقيقاً مؤكداً غير متغير ولا متأول أن جوامعكم ومساجدكم لا
تزال معهودة معمورة على ما هي الآن عليه وأكثر، وأنه لا يتعرض
لكم أحد في أمور دينكم وعبادتكم، فإن حضورنا عندكم ليس هو
لأجل محاربتكم وإنما قصدنا محاربة باشتكم الذي بدأ وأظهر علينا
العداوة والبغضاء. ومما لا يخفى عليكم غاية تحكمه وقبح طبعه
المشوم (المشؤوم).
ولا ينبغي لنا أن نطلعكم على أخلاقه الذميمة وأعماله الرذيلة
فإنه واضح لديكم أنه لا يسعى إلا على خراب بلادكم ودثارها
وتضييع أموالكم وأعماركم. ومن المعلوم أنه إنما يريد أن يجعلكم
من الفقراء المنحوسين المبهدلين الخاسرين أكثر من المسخط عليهم
فمن أعجب الأمور، كيف يغبى (يغيب) عنكم أن باشتكم لا يقصد
الخير إلا لذاته والدليل كون أحسن العمارات والأراضي والخيل
والسلاح واللبس والحلي وما أشبه ذلك كله من شأنه وحده.
فيا أيها أحبابنا، سكان المغرب، أنه ? ما سمح بأن يصدر من
باشتكم الظالم ما فعله من أعمال الخبث والردى إلا إنعاما منه
سبحانه وتعالى عليكم حتى تحصلوا بهلاكه وبزوال سلطنته على
كل خير ويفرج عنكم ما أنتم فيه من الغم والشدة وإذو الحل (الحال)
هذه اسرعوا واغتنموا الفرصة ولا تعمي أبصاركم عما أشرقه الله
عليكم من نور اليسر والخلاص ولا تغفلوا عما فيه مصلحتكم بل
استيقظوا لكي تتركوا باشتكم هذا وتتبعوا شورنا، الذي يؤول
إلى خيركم وصلاحكم وتحققوا أنه تعالى لا يبغى قط ضرر خليفته،
بل يريد أن كل واحد من براياه يحوز ما يخصه من وافر نعمه التي
أسبغها على سكان أرضه.
يا أيها أهل الإسلام إن كلامنا هذا صادر عن الحب الكامل، وأنه
مشتمل على الصلح والمودة وأنتم إذا شيعتم مراسليكم إلى أوردينا
حينئذ نتكلم وأياهم والمرجو من الله تعالى أن محادثتنا مع
بعضنا بعض يؤول (تؤول) إلى ما فيه منافعكم...
تشيعوا لنا صحبة مراسليكم كل ما يحتاج عسكرنا المنصور من الذخائر
ما بين طحين وسمن وزيت وعجول وغنم وخيل وشعير وما يشبهه.
وحين وصلت (تصل) مراسلاتكم هذه إلينا فحالا ندفع الثمن فلوسا
نقدية على ما تريدون وأكثر هذا وأما إن كان منكم معاذ الله،
خلاف حتى تختاروا محاربتنا ومقاومتنا، اعلموا أن كل ما يصيبكم
من المكروه والشر إنما يكون سببه من جهتكم ولا تلوموا إلا
نفسكم، فأيقنوا أنه ضد إرادتنا، فليكن عندكم محققا أن عساكرنا
المنصورة، تحيط بكم بأيسر مرام ودون تعب وأن الله يسلطها عليكم
فإنه تعالى كما أنه يأمر من يجعل لهم النصر والظفر بالمرحمة
والمسامحة على الضعفاء المظلومين، فكذلك يحكم بأشد العذاب
على المفسدين في الأرض العائثين على البلاد والعباد فلا بد
أنكم إن تعرضتم لنا بالعدوان والشر هلكتم عن آخركم.
هذا أيها السادة كما بدا لي أن أعلمكم به، فهو نصيحة مني إليكم،
فلا تغفلوا عنه، واعلموا أن صلاحكم إنما في قبوله والعمل عليه،
وأن هلاككم لا يرده منكم أحد، إن عرضتم عما نصحتكم وأنذرتكم
به، وأيقنوا يقينا مؤكدا أن كلام سلطاننا المنصور المحفوظ
من الله تعالى غير ممكن تغييره، لأنه مقدر والمقدر لابد أن
يكون والسلام على من سمع وأطاع.
|
|
|
|
|
|