الأستاذ.محمد
حموش
الخطبة الأولى:
إنّ الحمد
لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور
أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا
هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن
محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ومن تبعهم بإحسان
إلى يوم الدين أما بعد:
أيها المسلمون أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله فهي جماع الخيرات
وحصون البركات هي وصية الله عز جل للأولين والآخرين قال تعالى:
(ولقد وصّينا الّذين أُوتُوا الكتاب من قـبلكُم وإيّاكُم أن
اتّقُوا اللّه).[النساء/130] فنعم الوصية لمن حافظ عليها والموعظة
البليغة لمن التفت إليها، فهي دعوة الأنبياء وشعار الأولياء
فكل نبي بعث إلا وقال لقومه ألا تتقون فاتقوا الله عبـاد الله
فإنه من يتق الله فاز بالكرامة حقا وارغبوا في ما عند الله
خير وأبقى قال تعالى: (وتزوّدُوا فإنّ خير الزّاد التّقوى).[البقرة/186].
عباد الله: لقد حل بالمسلمين ضيف كريم
وموسم عظيم مخصوص بالتشريف والتكريم، أنزل في كتابه وفرض
على عباده صيامه، إنه شهر رمضان الكريم شهر القيام والصيام
وتلاوة القرآن، شهر العتق والغفران، موسم الصدقات والإحسان،
شهر تتولى فيه الخيرات وتعمه البركات وتفتح فيه أبواب الرحمات،
روى النسائي في سننه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله
((أتاكم رمضان، شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه
أبواب السماء وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه مردة الشياطين
لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حُرم خيرها فقد حٌرم)).
عباد الله: إن صيام شهر رمضان من أنفع
العبادات وأعظمها آثارا في تطهير النفوس وتهذيب الأخلاق
فهو شهر يدخل صاحبه في حظيرة التقوى فيقي نفسه من النار
قال تعالى: ( ياأيُّها الّذين آمـــنُوا كُتب عليكُمُ الصّيامُ
كما كُتب على الّذين من قبلكُم لعلّكُم تتّقُون).[البقرة/182].
فهو شهر يمكن العبد من الانتصار على شهوات ونزواتها ويقمع
الكبر والترفع عل الناس، فيكسب فيه المسلم الخير الكثير
في الدنيا والآخرة قال الله تعالى:( و أن تصُومُوا خيرٌ
لكُم إن كُنتُم تــعـلمُون).[البقرة/183].
شهر رمضان وقفة محاسبة تذكر الغافل
بحال الأكباد الجائعة من المساكين والأرامل والفقراء فيستوي
فيه المعدم والموسر والغني والفقير، كل هؤلاء يمسكون عن
الطعام والشراب في زمن واحد ويأكلون كذلك في وقت واحد ليتحقق
بذلك قول الله تعالى في الجميع: ( إنّ هذه أُمّتُكُم أُمّةً
واحدةً وأنا ربُّكُم فاعبُدُوني)[الأنبياء/91] لفتسود المودة
والائتلاف وتزال أسباب الفرقة والاختلاف.
فهل لنا عباد الله أن نستفتح هذا الشهر
الكريم وقد ملئت قلوبنا بالصفاء والمودة والإخاء والتراحم
والوفاء وابتعدت عن الشحناء والبغضاء كفى أيها المتقاطعون،
كفى أيها المتهاجرون، إلى متى هذا التناحر والتدابر إلى
متى هذه الفرقة والاختلاف؟ التي ما زادت الأمة إلا هوانا
وضعفا قال الله تعالى: ( ولا تنازعُوا فتفشلُوا وتـذهب ريحُكُم
)[الأنفال/45].
عباد الله: فلتجتمع قلوبنا، ولتلتحم
صفوفنا ولنرض ربنا تعالى في هذا الشهر الكريم بأن نصومه
كما كان يصومه الصالحون وقد زال ما بيننا وبين المؤمنين،
ونقبل عل اغتنام خيراته وبركاته ونحرص على أن تصيبنا بعض
نفحاته ورحماته.
عباد الله: إن الله خصّ هذا الشهر الكريم
بفضائل ومزايا لا تجدها في غيره من الأشهر من ذلك:
1- أنه شهر تغلق فيه أبواب النار وتفتح فيه أبواب الجنة
وتصفد الشياطين ومردة الجن فلا يخلصون إلى الإفساد في الناس.
روى الترمذي في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ((إذا
كان أول ليلة من شهر رمضان، صفدت الشياطين، ومردة الجن،
وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة،
فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا
باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة)).
2- أن الصيام يباعد صاحبه من النار
ويقربه إلى الجنة قد صح عن النبي من حديث جابر بن عبد الله
قال: قال رسول الله: ((الصيام جنة يستجن بها العبد من النار)).
ومعنى "جنة" الوقاية.= وصحّ عنه كذلك من حديث
أبي أمامة أنه قال: قلت يارسول الله دلني على عمل أدخل به
الجنة قال : ((عليك بالصوم لا مثل له)).
3- أن الصوم يشفع لصاحبه يوم القيامة
فقد صح عنه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال:
((الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام:
أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه)).
4- أن الله له في كل ليلة من ليالي
رمضان عتقاء من النار وأنه جلّ وعلا يستجيب دعوة كل مسلم
ما لم تكن إثما أو قطيعة رحم فعن جابر بن عبد الله قال:
قال رسول الله ((إن لله عتقاء في كل يوم وليلة عتقاء من
النار في شهر رمضان، وإن لكل مسلم دعوة يدعو بها فيستجاب
له)). وهذه الدعوة عباد الله هي عند الإفطار لقوله : ((ثلاث
لا ترد دعوتهم الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم)).
5- من فضائل هذا الشهر أن الرائحة التي
تخرج من فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وهذا يقول
النبي: ((والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند
الله من ريح المسك وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح
بصومه وإذا لقي ربه فرح بصومه)).
6- ومن فضائل هذا الشهر أن أجر الصيام
فيه عند الله بغير حساب فقد صح عن النبي من حديث أبي هريرة
أنه قال: قال الله تعالى: ((كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة
بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة إلا الصوم
فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي)).
7- ومن فضائل هذا الشهر أن الله تعالى
جعله من مكفرات الذنوب ما اجتنبت الكبائر ولو كانت مثل زبد
البحر فعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله : ((من صام
رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)) وصح عنه
كذلك أنه قال: ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان
إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)).
8- ومن فضائله أن الله أودع فيه ليلـة
هـي خيـر مـن ألف شهر قال تعالى: ( إنّآاأنزلناهُ فى ليلة
القدر ومآ أدراك ما ليلةُ القدر ليلةُ القدر خيرٌ مّن ألف
شهر ).[القدر/3].
عباد الله: هذه بعض فضائل شهر رمضان وما فيه من الخيرات
قد بينها رسول الله ? وحثنا على الاجتهاد فيه بالأعمال الصالحات،
فينبغي عليك أيها المسلم إذا كنت حريصا على اغتنام هذه الخيرات
أن تتحلى بآداب الصيام وأن تتجنب خاصة آفات اللسان من قول
الزور والكذب والنميمة والغيبة...، لأن الصائم هو الذي صامت
جوارحه عن المعاصي والآثام فإذا تكلم لم يتكلم بما يخرج
به صومه وإن فعل لم يفعل ما يفسد به صومه، فيخرج كلامه طيبا
وعمله صالحا. عباد الله: لا تضيعوا هذا الشهر العظيم بالغفلة
والإعراض كحال الأشقياء الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم
فلا يستفيدون من مرور مواسم الخير عليهم ولا يعرفون لها
حرمة ولا يقدرون لها قيمة.عباد الله: شهر عظمه الله تعالى
فعظموه واحمدوا الله عل بلوغه واشكروهأقول ما تسمعون والحمد
لله رب العالمين…
الخطبة
الثانية:
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء
والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد:
عبـاد الله: لقد كان النبي يجتهد في رمضان أكثر مما يجتهد
في غيره من الشهر بل كان يتفرغ فيه ويقبل على عبادة ربه أداء
لحقه وطمعا في مرضاته جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي
الله عنهما قال: ((كان رسول الله أجـود الناس وكان أجود ما
يكون في رمضان حين يلقاه جبريل يدارسه القرآن))، ولقد اقتفى
سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين آثار رسول الله فكانوا
يهتمون بهذا الشهر غاية الاهتمام فيصومون أيامه ويقومون لياليه
ويقبلون على كتاب الله تعالى تلاوة قال الإمام الزهري رحمه
الله تعالى: إذا دخل رمضان إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام.
عباد الله: هل المسلمون اليوم يستقبلون هذا الشهر كما كان
يستقبله الأوائل وقفة محاسبة لكل مسلم وفقه الله تعالى لبلوغ
شهر رمضان، فمن مرّ عليه هذا الشهر ولم يستفد منه مغفرة ذنوبه
وتكفير خطاياه فهو أقرب إلى الشقاء بعيد عن الله تعالى فقد
صعد النبي المنبر يوما فقال: ((آمين، آمين، آمين. قالوا على
ما أمّنت يا رسول الله؟ فقال: جاءني جبريل عليه السلام فقال:
يا محمد رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر
له فأدخله الله النار فأبعد الله قل: آمين فقلت: آمين)).
فالمؤمن الفطن الذي يتنبه لنفسه ويتوب إلى الله في هذا الشهر
توبة صادقة فيكون ممن صامه أيامه وحصل فضله.
أقول ما تسمعون وسبحانك اللهم وبحمدك...
|