|
الافتتاحية
الإنسان كائن الأبعاد، فهو لا يعيش اللحظة الحاضرة مقتصراً عليها،
وإنما هو يتخطى الزمن بما جبله الله عليه من ذكاء وتصور وذاكرة،
ففي الذاكرة يختزن من التجارب ما وعى منها وما نسي، بل وحتى
التجارب التي لم يمر بها كفرد، وإنما مرت بها الجماعة التاريخية
التي ينتمي إليها، والتي تعلّم منها طريقة العيش والتلاؤم مع
المحيط.
فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يدرك أن هناك من المجال ما هو
مجهول فلا يستطيع اختراقه، فيضطر إلى تفسيره بالكلمات والرموز،
ومع الزمن يظن أو يعتقد بأن تلك الكلمات والرموز لها مدلولات
واقعية، يجهل حقائقها ولكنه يعايشها بواسطة الكلمات الدالة عليها،
وأحياناً يضع لها رموزاً وتماثيل تشير إليها، ويضفي على تلك
الرموز والتماثيل ما كان يود، لو يتمكن، أن يضفيه على مدلولاتها.
وهكذا صنع الأوثان التي ترمز إلى المعبودات، وتخيل في الظواهر
الطبيعية مثل الأحجار والأشجار والجبال والصواعق... وغيرها،
تخيل فيها أرواحاً غير مدركة هي التي تحركها وتتحكم فيها.. ليس
هذا في القديم فقط بل فحتى عالم الطبيعة في عصر الصواريخ يتصور
وجود علاقات بين الظواهر يعتمدها في تفسير تلك الظواهر، فهو
يعتقد بوجودها وثباتها، بحيث لا تختلف أبدا،ً ويسميها الطبيعة،
وإذا سألته عن الطبيعة ما هي؟ يجيبك فقط بالكلمة: هي الطبيعة.
فاختراق الزمن إلى الغيب ظاهرة إنسانية يمكن استخلاصها من قوله
تعالى في القرآن الكريم )وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ
مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ
أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى([الأعراف 172]، أي أنت
ربنا.
لكن الإنسان لا يهتدي بنفسه إلى حقيقة هذا الغيب، فهو يتخبط
في الجهالات إلى أن يهديه الله إلى الحقيقة، والحقيقة إنما عرفها
من عرفها من البشر عن طريق الرسل عليهم الصلاة والسلام.
ذفهم الذين اختارهم الله من أبناء البشر واجتباهم وحـمّلهم رسالة
الإيمان إلى البشرية جمعاء، وكان خاتم الرسل عليهم الصلاة والسلام
هو محمد بن عبد الله.
والغيب يبقى غيباً عصياً عن الإدراك البشري الحسي منه والعقلي،
لأن الإدراك العقلي إنما هو مكوّن من معطيات الإدراك الحسي،
فلا يمكنه أن يطلع على الغيب ولهذا كان الغيب هذا موضوعاً للإيمان
وتصديق الرسل ولا سبيل آخر إليه.
قال تعالى : )آلم . ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى
لِّلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب( [البقرة1-2]،
فمن آمن بالغيب كما جاءت به الكتب المنزلة فقد اهتدى ونجا، ومن
ختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة، فقد استمر على
ضلاله، فلا هو استطاع أن يتخلص من الغيب الذي ظل يفر منه وهو
يتخبط في أعماقه، ولا هو استطاع أن يهتدي إلى التسليم بما جاءت
به رسل الله ليهتدي إلى الصراط المستقيم، فالإيمان إذن يبقى
هو الخطوة الأولى في الطريق، إنها الخطوة الضرورية للحياة الطيبة
ولكنها غير كافية.. قال تعالى : )قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا
قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا( [الحجرات
14]، فالإسلام هو الخطوة التي يكتمل بها الإيمان.. لأن الإيمان
تصديق في العقل أو في القلب، والعمل العقلي يبقى مجرد تصور،
كان يكفي لو كان الإنسان المؤمن يعيش في المطلق، أما وأنه يعيش
في الزمن ويتحرك في المكان ويتعامل مع بني جنسه ومع الأشياء
المادية، فلا يكتمل إيمانه ولا يجني ثمرته إلا إذا سلك الطريق
الذي يهديه إليه إيمانه ويرشده إليه.
قال تعالى )مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ
مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً( [النحل 97]،
فالإيمان شرط في قبول العمل الصالح، والعمل الصالح ذو جانبين،
جانب الأعمال التعبدية والأخلاقية التي يتعين على المسلم القيام
بها مما أوجبه الشارع وندب إليه، مما يحقق به إنسانيته، وجانب
الأعمال المنافية التي نهى الشارع عنها والتي من شأنها أن تتنافى
مع كرامة الإنسان، إنها مجمل الآثام التي من شأنها أن تحط من
قيمة الإنسان ومن الكرامة التي ميزه الله بها على غيره من الكائنات،
والتي جعلها سبباً في أن سخر له بقية الكائنات، قال تعالى: )وَذَرُواْ
ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ
سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ([الأنعام 120].
فأصل هذه الكرامة هو الروح الذي نفخ الله في آدم يوم خلقه : )إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا
مِن طِينٍ . فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي
فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ( [ص 71-72]، فلا شك أن طبيعة هذه الروح
تتنافى مع مختلف الآثام التي نهى الله عنها وكرهها بل وحرمها،
ومن غير الممكن أن يدرك حقيقة هذه الروح وقدسيتها من لم يؤمن
بالغيب الذي جاءت به رسل الله عليهم الصلاة والسلام، ومن ثم
فإنه لا يتوانى عن الغوص في مختلف الآثام الظاهر منها والباطن
متبعا في ذلك طريق الشيطان الذي استعبده وأهانه وهو عن كل ذلك
في غفلة عن حقيقته ويحسب نفسه من المهتدين، إنه في هذه الحالة
ضال يجهل منشأه ولا يعرف مصيره.
وحتى
عندما يمكنه أن يقوم بأعمال تدرج اجتماعياً في الصالحات فإنها
تبقى أعمالاً غير مؤسسة أو قائمة على قواعد غير صحيحة، من صنع
البشر )قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا
أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ( [غافر 29]، فمهما يؤت
الإنسان من علم وذكاء ومهما يحصل عليه من قوة وجبروت، فإن ذلك
كله لا يغني عن النعمة التي يجنيها من وعي الذات وإدراك المصير،
لو اهتدى، والهداية لا تأتي إلا من القرآن الذي (يهدي للتي هي
أقوم).
د. بوعبد الله غلام الله
وزير الشؤون الدينية والأوقاف -الجزائر |