| معالم
الإنسان الأخلاقي
أ.محند
أو إدير مشنان
الحمد لله رب العالمين،
وأفـضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا ومــولانا محمد وعلى آله
وصحبه أجمعين.
اللهم أخرجنا من ظلــمات الوهم، وأكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا
بمعرفة العلم، وسهل أخلاقنا بالحــلم، واجعلنا ممن يستمعون القـول
فيتبعون أحسنه.
أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات، السلام عليكم جميعا، ورحمة الله
تعالى وبركاته.
نلتقي وإياكم في هذه الليلة المباركة، لنحيي ليلة مباركة، وهي
ليلة القدر، عظيمة القدر، وكيف لا تكون كذلك وقد قال فيها ربنا
:) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا
مُنذِرِينَ. فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ.أَمْرًا مِّنْ
عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ((1). وقال الله:) إِنَّا
أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا
لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ
شَهْرٍ. تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ
رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ . سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ
الْفَجْرِ )(2).
إنّ القدر العظيم مستمد من الحدث الذي وقع فيها وهو نزول القرآن
الكريم، ومن التحول الذي كانت بدايته من ليلة القدر، وكان سببه
هو نزول القرآن الكريم بما يحمله من رسالة وأهداف ومقاصد.
ان رسالة القرآن ووظيفة النبي ( الكبرى هي صياغة الإنسان القرآني،
والإنساني القرآني إنسان أخلاقي، يقول المصطفى :
(بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ حُسْنَ الأَخْلاَقِ)(3). ولما أراد الله
) أن يعطينا نموذج الإنسان الأخلاقي الكامل، اختار نبيّه فقال:)وَإِنَّكَ
لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ((4) والنبي (كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ)(5).
لا يمكن أن نمر على هذه الآية من سورة القلم دون أن يستوقفنا
مشهدُ رسول الله وهو يتلقى هذه الكلمات، إنها لشهادة من الله،
في ميزان الله، لعبد الله، وإنه ثناء عظيم، من رب عظيم، لرجل
على خلق عظيم.
إن أصدق برهان تتجلى فيه عظمة النبي هو مشهد تلقيه لهذه الشهادة
الربانية في طمأنينة وفي ثبات وفي توازن رغم قوة هذا الخطاب
من حيث مصدره ومن حيث موضوعه، أقول هذا لأن الواحد منا يسمع
مدحا وثناء من بشر مثله، فتهتز نفسه، وتدغدغ عواطفه، فينساق
إلى ذلك المدح، وربما أورثه ذلك عُجبا وكِبرا.
أما النبي فقد تلقى ذلك الثناء العظيم من الله، ويعلم أكثر مِن
سواه مَن هو الله، ومع ذلك يبقى مطمئنا، هادئا، ثابتا راسخا،
إن ســـيدنا محمدا -وحده- هو الذي يرقى إلى هذا الأفق من العظمة،
وهو الذي يبلغ قمة الكمال الإنساني.
وفي مقابل ذلك يتلقى عتاب ربه أحيانا على بعض التصرفات، ويبقى
على ذات التماسك وذات التوازن وذات الطمأنينة.ثم يسمع من الناس
أذى كثيرا وتهما باطلة بأنه ساحر ومجنون وكذاب. )وَإِذَا تُتْلَى
عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ
يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا
مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ((6).
فلا يمنعه ذلك من مواصلة رسالته وإنجاز وظيفته وأداء الأمانة
التي كلف بها، بل يصر على الثبات ومواصلة أداء الأمانة التي
التزم بها للناس أمام رب الناس.
هذه هي أخلاق الأبطال وأخلاق الكبار، وأخلاق العظماء الذين هيأهم
الله لهداية الأمم وقيادة الشعوب. إن المدح لم يستثر فيه غرورا
وكبرا، وإن العتاب لم يسبب له عجزا وإدبارا، وإن شتائم السفهاء
من الناس لم تورثه مللا ولا نفورا، بل زاده كل ذلك تمسكا بالحق
وإصرارا، لأنه رجل صادق أمين، على خلق عظيم، يعرف طريقه، ويدرك
خطورة مهمته، ويتحرك عن علم وحكمة وبصيرة ) قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي
أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي
(7).
اهذا هو الإنساني القرآني، وهذا هو الإنسان الأخلاقي الذي نزل
القرآن في ليلة القدر من أجل صياغته وصناعته، وهذا هو النموذج
الذي اختاره الله ليكون قدوة للعالمين فقال:) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ
فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو
اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً((8).
وبعد هذا المشهد المشرق المضيء ننتقل إلى مشهد آخر أسود مظلم،
ففي سورة القلم وبعد الثــناء على النبي:) وَإِنَّكَ لَعَلى
خُلُقٍ عَظِيمٍ(، نقرأ قـوله :) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ
مَّهِينٍ . هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ . مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ
مُعْتَدٍ أَثِيمٍ . عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ . أَن كَانَ
ذَا مَالٍ وَبَنِينَ. إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ
أَسـَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ( (9).
إن هذا السياق مثير للانتباه، وإن هذا الترتيب مستدعٍ للتأمل،
إذ يأتي التحذير من هذه الصفات والرذائل الدنيئة، بعد الإشارة
إلى قمة قمم الأخلاق، ولعل السر في ذلك أن هذه الرذائل تنزل
إلى أسفل دركات الأخلاق الخبيثة، كما أن النموذج الأول يرقى
إلى أعلى درجات الأخلاق الرفيعة، وفي ذلك إشارة إلى أن الخلق
العظيم لا ينبغي أن يدنس بأية رذيلة من هذه الرذائل.
ولنسمع إلى بيان هذه المفاسد الأخلاقية، التي تجسدت في شخص وصفه
القرآن بأنه:
1 ـ حلاّف، وهذا عنوان الكذب، لأن الحلاف يدرك أن الناس يكذبونه
ولا يثقون به فيحلف ويكثر الحلف ليغطي كذبه.
أما الإنسان الأخلاقي فهو صادق بعيد عن الكذب، يثق فيه الناس
دون حاجة إلى قسم وأيمان.
2 ـ مهين، والمهين لا يلقى أي احترام، ولا يحظى بثقة الناس.والإنسان
الأخلاقي رجل كريم عند الناس يحظى باحترامهم، وينزلونه فيهم
المنزلة الرفيعة اللائقة.
3 ـ همّاز، يعيب الناس في حضورهم وغيبتهم، وهذه رذيلة يبغضها
القرآن ويحذر منها، يقول الله: ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا
مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا
مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا
بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ
وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( (10).
والإنسان الأخلاقي لا يسخر من الناس بل يسخِّر نفسه لهم، وقد
قال النبي?: ((الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللهِ، فَأَحَبُّهُمْ
إِلىَ اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِخَلْقِهِ))(11)، ولا يمسهم بسوء
ولا أذى ((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ
وَيَدِه))ِ(12).
4 ـ مشاء بنميم، فهو في غاية الخطورة والمكر، لأنه يقطع صلات
الناس، ويذهب مودة قلوبهم، ويقضي على الأخوة والمحبة التي تجمعهم،
وهذه سيرة المروّجين للأخبار الكاذبة، والمرجفين الذين يبثون
العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع الواحد، بألسنتهم و أقلامهم
وأجهزتهم، ولا يفكرون إلا في مصالح ضيقة وآنية يجنونها، ولو
كان على حساب الأمة كلها، فلا عجب إذن أن يكون عشاق النميمة
هم شرار المجتمع، قال الـنـبي : ((…شِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ
الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ،
الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ))(13)، ولاجرم أنهم ليسوا
جديرين بالرحمة وحسن الثواب، لذلك قال النبي: ((لاَ يَدْخُلُ
الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ))(14)، أي نمام.
والإنسان الأخلاقي منزه عن هذه النقيصة القاصمة، فهو يتحرى حسن
الظن بالناس:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً
مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)(15) ولا يتقوّل
عليهم بغير علم:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ
فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ
فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)(16).
5 ـ مناع للخير، إن القلب إذا تجرد من الفضيلة تجرد من الخير،
فتجد صاحب هذا القلب يقف عائقا أمام كل مبادرة للخير والإصلاح،
ومن منع الخير عن الناس فهو شر الناس.قال الله: ) فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ
. الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ. الَّذِينَ هُمْ
يُرَاؤُونَ . وَيَمْنَعُونَ الْمــَاعُونَ ((17).
6 ـ معتد، يتجاوز الحق والعدل، ومن كان كذلك فهو بغيض عند الله
بغيض عند الناس، قال: ) وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ
يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ ((18).
7 ـ أثيم، مرتكبٌ للمعاصي ومقترف للخطايا منتهك للحرمات، وقد
توعد الله هذا الصنف من الناس فقال: )وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ
أَثِيمٍ((19). أما الإنسان الأخلاقي القرآني فهو أبعد الناس
عن الآثام لأن ربه يرشده ويقول له:)وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ
وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْـــــــمَ سَيُجْزَوْنَ
بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ((20).
8 ـ عتل، وهو الغليظ الجافي الفظ الذي يتقيه الناس لأنه شخصية
كريهة من جميع الوجوه.وصاحب الخلق العظيم رحيم القلب، لـيّـن
الجانب، قريب من الناس )فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ
لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ
مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ
فِي الأَمــــــْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللـهِ
إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ((21).
9 ـ زنيم، ولعل السياق والسباق وسبب النزول يرجح أن المقصود
به من عرف بين الناس بلؤمه وخبثه وكثرة شروره.والإنسان الأخلاقي
معروف بصدقه، وطيبته، وخيره الذي يصل إلى الناس، لأن له أسوة
في رسول الله الذي جاء )َيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ
عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ ((22).
هذه صفات ذميمة وعيوب غير لائقة بمن أراد أن يسمو بإنسانيته،
وهي كلها تسبح ضد تيار الخلق العظيم، والإنسان المستقيم، وإذا
كان الخلق العظيم من سمات الصفوة والأبطال، فإن هذه العيوب من
لوازم الأراذل والأنذال.
يا رب نسألك في هذه الليلة المباركة أن تكرمنا بالخلق العظيم،
وأن تهدينا الصراط المستقيم، اللهم وفق ولاة أمورنا إلى ما فيه
خير البلاد والعباد، وارزقهم بطانة حسنة صادقة مخلصة تعينهم
على أداء ما تحملوه من المسؤوليات العظام والمهام الجسام.
اللهم أعد الطمأنينة إلى النفوس، اللهم أعد الفرحة إلى القلوب،
اللهم أعد البسمة إلى الوجوه.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار،
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنّك
أنت الوهاب، اللهم هب طالحنا لصالحنا، اللهم هب طالحنا لصالحنا،
اللهم هب طالحنا لصالحنا، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى
آله وصحبه أجمعين.
المراجع
-1لآيات 3 و 4 و 5 و 6 من سورة الدخان .
-2 سورة القدر.
-3 أخرجه الإمام مالك في كتاب حسن الخلق (2/904)، والإمام أحمد
(2/382) (رقم8939) بلفظ: ((إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ
الأَخْلاَقِ)).
-4سورة القلم/4.
-5 -أخرجه الإمام أحمد (رقم 24080، 24774، 25585).
-6 سورة سبأ/43.
-7 سورة يوسف/108.
-8 سورة الأحزاب/21.
-9 سورة القلم/10- 15.
-10 سورة الحجرات/11.
-11 أخرجه الطبراني في المعجم الكبير وأبو يعلى في مسنده، وذكر
السخاوي عدة طرق له.
-12 أخرجه البخاري كتاب الإيمان (رقم 10)وفي غير هذا الموضع،
وأخرجه مسلم كتاب الإيمان (رقم41).
-13 أخرجه الإمام أحمد (رقم 17537).
-14 أخرجه البخاري كتاب الأدب (6056)، ومسلم كتاب الإيمان (رقم
105).
-15 سورة الحجرات/12.
-16 سورة الحجرات/12.
-17 سورة الماعون/4- 7.
-18 سورة البقرة/190.
-19 سورة الجاثية/7.
-20 سورة الأنعام/120.
-21 سورة آل عمران/159.
-22 سورة الأعراف/157.
|