الصفحة الرئيسية
2008-07-24الموافق لــ1429 الخميس 21 رجب
 
 
 
هيئة التحرير
المدير العام مسؤول النشر:
  د. بوعبد الله غلام الله
  وزير الشؤون الدينية والأوقاف
رئيس التحرير:
  د. محمد عيسى
  مدير التوجيه الديني والتعليم القرآني
مستشار المدير العام:
  أ. حمزة يدوغي
  المستشار الثقافي للسيد الوزير
 
العدد الرابع، السنة الأولى، رمضان 1424هـ/ نوفمبر2003م
الافتتاحية
الدراسات:
  • معالم الإنسان الأخلاقي
  • أولوية الاهتمام بالتعليم القرآني
  • الإقراءفي الجزائر،مراجعة،مدارسة،أشهر المؤلفين فيه
  • الزوايا القرآنية المتحركة
  • مدرسة ساهل أقبلي وجهودها في خدمة القرآن الكريم ما بين القرن 13-14 الهجريين
  • الجزائريون ليسوا في حاجة إلى وساطة لإثبات وحدتهم في الدين والوطن ( ندوة صحفية )
متفرقات:
  • فتوى حول حكم حوادث المرور
  • خطبة عيد الفطر المبارك
  • خير جليس
  • نتائج المسابقة الوطنية لحفظ القرآن
 
 
 

خطبة عيد الفطر المبارك 1424هـ/ 2003م

أ.محمد الشيخ

الخطبة الأولى

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.الله أكبر عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.الله أكبر كلما رجع مذنب وتاب، الله أكبر كلما رجع عبدٌ وأناب.
لا إله إلا الله، لا إله إلا الله( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص:88]
لا إله إلا الله، لا إله إلا الله ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام)( الرحمن:26-27)
لا إله إلا الله يفعل ما يريد، لا إله إلا الله ذو العرش المجيد، لا إله إلا الله رب السموات والأرض وهو على كل شيء شهيد. سبحان الله، سبحان الله. سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ خصنا بخير كتاب أنزل، وأكرمنا بخير نبي أرسل، ومنّ علينا بأعظم دين شرع، وجعلنا به خير أمة أخرجت للناس:(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) (المائدة:3)
وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.. تركنا على المحجة البيضاء، على الطريقة الواضحة الغراء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يحيد عنها إلا خاسر:( مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظـًا) (النساء:80)
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ خصنا بخير كتاب أنزل، وأكرمنا بخير نبي أرسل، ومنّ علينا بأعظم دين شرع، وجعلنا به خير أمة أخرجت للناس:(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) (المائدة:3)
وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.. تركنا على المحجة البيضاء، على الطريقة الواضحة الغراء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يحيد عنها إلا خاسر:( مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظـًا) (النساء:80)
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ خصنا بخير كتاب أنزل، وأكرمنا بخير نبي أرسل، ومنّ علينا بأعظم دين شرع، وجعلنا به خير أمة أخرجت للناس:(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) (المائدة:3)
وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.. تركنا على المحجة البيضاء، على الطريقة الواضحة الغراء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يحيد عنها إلا خاسر:( مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظـًا )النساء:80)
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.
إن العيد الذي نحياه اليوم إنما هو احتفال بانتصار الإنسان المؤمن الذي ظل طوال شهر رمضان يجاهد نفسًا أمارة ويصارع شهواتٍ وملذاتٍ ومغرياتٍ كانت تتراقص أمام عينيه، لكنه قدم البرهان على أن القائد لنفسه المالك لزمام أمره إنما هو إرادته وعزيمته التي يستمدها من الله العظيم: ( قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) [يونس:58]
إن العيد - أيها الإخوة المؤمنون - مظهر من مظاهر الدين، وشعيرة من شعائره المعظمة التي تنطوي على حكم عظيمة، ومعان جليلة، وأسرار بديعة لا تعرفها الأمم في شتى أعيادها.
- فالعيد في معناه الديني شكر لله على تمام العبادة، لا يقولها المؤمن بلسانه فحسب، ولكنها تختلج في سرائره رضا واطمئنانا، وتنجلي في علانيته فرحا وابتهاجا، وتسفر بين نفوس المؤمنين بالبشر والأنس والطلاقة، وتمسح ما بين الفقراء والأغنياء من جفوة.
- والعيد في معناه الإنساني يومٌ تلتقي فيه قوة الغني وضعف الفقير على محبة ورحمة وعدالة من وحي السماء، عنوانها الزكاة والرحمة والإحسان.
- والعيد في معناه النفسي حد فاصل بين تقييد تخضع له النفس وتسكن إليه الجوارح وتطمئن به القلوب، وبين انطلاق تنفتح له أبواب الشهوات والملذات.
- والعيد في معناه الزمني قطعة من الزمن خصصت لنسيان الهموم، ولاستجمام القوى الجاهدة في الحياة. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا..
أيها الإخوة المؤمنون..
- العيد يومٌ يتجلى على الغني المترف فينسى تعلقه بالمال، وينزل من عليائه متواضعا للحق وللخلق، ويذكـر أن كل من حوله إخوانه وأعوانه، فيمحو إساءة عام كامل بإحسان يوم واحد، وأعظم به من يوم.
- العيد يومٌ يتجلى على الفقير المترب فيطرح همومه، وينسى مكاره العام ومتاعبه، وتمحو بشاشة العيد آثار الحقد والتبرم من نفسه، وتنهزم لديه دواعي اليأس وتنتصر لديه في هذا اليوم بواعث الرجاء.
- العيد في معناه الاجتماعي يوم الأطفال يفيض عليهم فيه الكبار بالفرح والمرح، وهو يوم الفقراء يلقاهم الأغنياء باليسر والسعة، وهو يوم الأرحام تجتمع على البر والصلة، وهو يوم المسلمين يجتمعون على التسامح والتزاور، وهو يوم الأصدقاء يجددون فيه أواصر الحب ودواعي القرب وأسباب الإخاء، وهو يوم النفوس الكريمة تتناسى أضغانها فتجتمع بعد افتـراق، وتتصافى بعد كدر، وتتصافح بعد انقباض.
وفي هذا كله تجديد للرابطة الاجتماعية على أقوى ما تكون من الحب والوفاء والمودة والإخاء. وإلى هذا المعنى الاجتماعي يرمز تشريع صدقة الفطر في عيد الفطر، ولقد انتهى الاجتهاد الفقهي المعاصر الرصين إلى أن إخراجها قيمة هو أفضل للفقراء والمساكين سيما في عصر كالذي نعيشه اليوم حيث السيولة المالية هي تعامل الناس جميعا أغنياء وفقراء، وقد عمل بذلك خير القرون بعد قرن الصحابة، وهو قرن التابعين لهم بإحسان، وعمل به الخليفة الراشدي عمر بن عبد العزيز.. والغريب أننا لازلنا نسمع أصواتا من هنا وهناك تصر على إنكار هذا الرأي بل وإبطاله بعنف مما أحدث في المجتمع تشويشا واضطرابا نعيشهما كل سنة.. فالمسألة ليست مسألة رأي فقهي يدفع برأي فقهي آخر، ولكنه تشويش واضطراب في المجتمع لا يرفعهما إلا هيئة علمية تكون المرجع الذي يصار إليه والفيصل الذي إذا قال كان الخروج عنه شقا للعصا وإيقاظا لفتنة وقولا متطاولا ينبغي أن يسكت.
هذه بعض معاني العيد كما نفهمها من الإسلام، وكما يحققها المسلمون الصادقون.. فأين نحن اليوم من هذه المعاني ؟ بل أين هذه المعاني منا ؟ وأين آثار العبادة من آثار العادة في أعيادنا؟
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.
في المجتمع المتماسك يكون العيد عيدا لجميع أبناء الأمة.. وفي المجتمع المتفكك يكون العيد عيدا لأقوام ومناحة لآخرين.
إن فرحة المجتمع تطغى على آلام الفرد، ولكن فرحة الأفراد لا تغطي أبدا آلام المجتمع، ولذلك كان العيد مناسبة عظيمة لتنمية الشعور الاجتماعي في أفراد الأمة.
لو كبرت قلوب المسلمين كما تكبر ألسنتهم بالعيد لرأوا من الله النصر العجيب.
ولو اجتمعوا دائما كما يجتمعون لصلاة العيد لكانوا قوة يهابها المتربصون بأمتنا.
ولو تصافحت نفوسهم كما تتصافح أيديهم لقضوا على عوامل الفرقة.
ولو تبسمت أرواحهم كما تتبسم شفاههم لكانوا مع أهل السماء.
ولو ضحوا بأنانيتهم كما يضحون بأنعامهم - في عيد الأضحى- لكانت كل أيامهم أعيادا.
ولو لبسوا أكمل الأخلاق كما يلبسون أفخر الثياب في أيام العيد لكانوا أجمل أمة على ظهر هذه الأرض.لو عرف المسلمون مغزى العيد كما أراده الإسلام لكان عيدهم الأكبر يوم يتم لهم تحرير كامل وطنهم الأكبر من براثن الصهاينة ومن سائر الغزاة والمحتلين.
إن عيدا في الأرض يضحك فيه أناس ويبكي فيه آخرون لهو مأتم عند أهل السماء.
- أيها المسلم المستبشر بالعيد: لا شك أنك قد تهيأت للعيد.. أبا كنت أو أما، أو شابا أو فتاة، صغيرا أو كبيرا، ولا ريب أنك قد أخذت أهبتك لكل ما يستلزمه العيد من لباس وطعام ونحوه، وهذا حق مشروع لا يمكن أن نصادره ولا يصح ذلك، ولكنني أدعوك إلى أن تضيف إلى ذلك استعدادا تنال به شكورا، وتزداد به صحيفتك ضياء ونورا، استعدادا هو أكرم عند الله وأجدر في نظر الأخوة والمروءة ألا وهو استعدادك للتفريج عن كربة من حولك من البؤساء والمعدمين من أهل وأقربين وجيران. فتش عن هؤلاء وسل عن حاجاتهم، وبادر في إدخال السرور إلى قلوبهم. وإن لم يسعك المال فلا أقل من أن يسعك المقال بالكلمة الطيبة، والابتسامة الحانية، والخفقة الطاهرة، (( والكلمة الطيبة صدقة )) كما قال المصطفى ?.(رواه أحمد)
- أيها المسلم المستبشر بالعيد: تذكر في صبيحة العيد وأنت تقبل على والديك، وتأنس بزوجـك وأولادك وإخوانك وأحبابك وأقربائك، فيجتمع الشمل على حلويات من أصنـاف شتى وطعام لذيذ وشـراب طيب، تذكر يتامى لا يجدون في تلك الصبيحة حنان الأب، وأيامى قد فقدن ابتسامة الزوج، وآباء وأمهات حرموا أولادهم.. فإذا هم في العيد يشرقون بالدمع، ويكتوون بالنار، ويفقدون طعم الراحة والاستقرار.
- أيها المسلم المستبشر بالعيد: تذكر في العيد وأنت تأوي إلى ظلك الظليل ومنزلك الواسع وفراشك الوثير تذكر إخوانا لك يفترشون الغبراء، ويلتحفون الخضراء، ويتضورون في العراء.
استحضـر وأنت تأسو جراح المسلمين وتسعى لسد حاجاتهم أنك إنما تسد حاجتك وتأسو جراحك وتسعد نفسك ) وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ)(البقرة:272(،) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِه( )فصلت:46( ، ((من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)) ، ((من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم)) ، ((إن الله يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده. يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين. قال: أما إنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي. يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني. قال: يـا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي)).
لست أريد بهذا الكلام أن توجل القلوب وتذرف العيون الدموع، أو أن يلبس الناس ثياب الحداد في أيام العيد، ولست أريد بهذا الكلام - أيضا - أن يعتكف الإنسان كما يعتكف المرزوء بفقد حبيب أو قريب، ولست أريد أن نمتنع عن الطعام والشراب كما يفعل الصائم، لا لست أريد هذا..
وإنما أريد من ذلك كله أن تظهر أعيادنا بمظهر الأمة الواعية التي تلتزم الاعتدال في سرائها وضرائها فلا يحول احتفاؤها بالعيد دون الشعور بمصائبها التي يئن تحت وطأتها فريق من أبنائها في الوطن الصغير وفي الوطن الكبير) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) (لأنبياء:92(
وأريد من ذلك كله ألا ينسينا فرحنا هموم وطننا وهموم أمتنا في صراعها المرير الدامي.
وأريد من ذلك كله أن نشعر بالإخاء قويا في أيام العيد فيبدو علينا في أحاديثنا مشاعر تقوي العزائم وتشحذ الهمم، فتنبسط الأيادي بالبذل والعطاء، وتنطلق الألسنة بالدعاء.
هذا هو المعنى الذي أريد، ولئن كان مشوبا بمسحة من الحزن فإنه حزن النفوس الكبيرة الجادة أولا، وحزن لا يصادر الفرحة المشروعة ثانيا، وحزن مرجو لترجمة المشاعر إلى عمل واقعي ثالثا، وحزن نحسب أنه كفيل لأن يطرد عنا الحس البليد والشعور البارد والعاطفة الفاترة رابعا.
اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه وجنبنا مالا تحبه وما لا ترضاه. اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك اللهم من الشر كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم.
أقول هذا القول الذي تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم، واسألوه يعطكم، وادعوه يستجب لكم.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا..
أيها الإخوة المؤمنون ..إن الإسلام يرقب من معتنقه أن يكون دوما ذا ضمير يقظ.. أن يكون ذا إحساس حي.. أن يكون ذا وعي مسؤول.. صيانةً لحقوق الله عز وجل، وصيانة لحقوق الناس في هذه الحياة التي استعمرهم فيها، وحراسةً للأعمال - أعمال الآخرة وأعمال الدنيا جميعا - من دواعي الغفلة والسدور، أو من دواعي الإهمال والتفريط.
ولا يتأتى له ذلك إلا إذا تفاعل تفاعلا كاملا وشاملا مع آية في القرآن هي قوله سبحانه:) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا( )الأحزاب:72(
إن من أخلاقنا الإسلامية الرفيعة التي جاء الإسلام لإقرارها وتربية الأفراد والجماعات عليها الأمانة، وهي السلعة الغالية والبضاعة النادرة التي تجعل المرء جديرا بمروءته، مترجما حقا لإنسانيته.
إن الأمانة في ميزان ديننا الإسلامي العظيم واسعة الدلالة سعة هذا الدين ذاته.. وباستقراء مختلف النصوص التي بين أيدينا من القرآن والسنة فإننا نقف على هذه الحقيقة، ونقف على حقيقة أخرى وهي أن مناط تلك المعاني جميعاً هو شعور المرء بتبعته في كل أمر يوكل إليه، وإدراكه الجازم بأنه مسؤول عنه أمام ربه الذي استرعاه في جملة من الواجبات، ومسؤول أمام عباد استرعوه في جملة من الحقوق على النحو الذي فصّله الحديث الكريم: (( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته )).(صحيح البخاري ومسلم)
انظروا إلى رجل كافر مشرك شعر بهذه المعاني.. شعر بأنه مسؤول عن كلامه وشعر أنه مؤتمن فيما يقول.. انظروا إليه كيف لخص الإسلام في هذه الكلمات الجامعة التي انتقى فيها أعظم ما استرعى انتباهه في هذا الدين الجديد الذي رفض الاستسلام له أول مرة، بل رفع لواء الحرب ضده.. إنه أبو سفيان، صحيح أن الإسلام لم يربه، ولكن ربّته جاهلية تعترف بالقيم الأصيلة والمعاني الرفيعة. سأله هرقل عظيم الروم عن الرسول الذي ظهر بأرضهم وإلى ما يدعو ؟ وما هي معالم الدين الجديد الذي جاء به ؟ فقال له أبو سفيان في نزاهة كاملة وأمانة عالية: (( إنه يأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال هرقل: وهذه صفة نبي )).
لقد كان رسول الله في حياته الأولى قبل البعثة يُلقّب بين قومه بالأمين.
وكذلك شوهدت مخايل الأمانة على موسى عليه السلام حين سقى لابنتي الرجل الصالح واحترم أنوثتهما، وكان معهما شهما ً شريفاً عفيفا ) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ . فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ([القصص:24-26]
وقد حدث هذا قبل أن ينبأ موسى ويرسل إلى فرعون.
ولا غرو في ذلك، فرسل الله جميعا يختارون من أشرف الناس طباعا وأزكاهم معدنا، وكل من ظل معتصما بالفضيلة - على شدة الفقر أو على تنكر الناس أو على امتلاك قدرة الانتقام - إنما هو حقا رجل قوي أمين.
إن المحافظة على حقوق الله وحقوق العباد تتطلب خلقا لا يتغير باختلاف الأيام ولا يتبدل بتنكر النـاس وذلك جوهر الرسالة العظيمة التي جاء بها من وصفه ربه بقــوله: )وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ([القلم:4]، ويبقى بذلك أعظم قدوة لمن علت همته من المسلمين والمسلمات، ولمن أراد أن يتخلق بأخلاقه.
عن أنس قال: ما خطبنا رسول الله إلا قال : (( لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له )). (رواه ابن النجار)
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا..الله أكبر عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.
أيها الإخوة المؤمنون..إن الأمانة التي تدعو إلى رعاية الحقوق وتعصم عن الدنايا لا تكون بهذه المثابة إلا إذا استقرت في وجدان المرء ورست في أعماقه وهيمنت على مشاعره، وذلك معنى حديث حذيفة بن اليمان ? حينما قال: (( حدثنا رسول الله ? حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جَذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعملوا من السنة..)) (رواه الشيخان)
إذ العلم لا يغني عن العمل، والأمانة إنما هي الضمير الحي الذي يكون وعاء لذلك العلم؛ فإذا مات الضمير انتزعت الأمانة، فلا يغني عنه بعد ذلك علمه ولا ترديده للآيات ولا دراسته للسنن، ومن ثم وجدنا حذيفة ? يستطرد في وصفه لتسرب الأمانة من القلوب التي تخلخل فيها اليقين ومن النفوس التي ضاعت منها المروءة، قال حذيفة : ((ثم حدثنا - أي رسول الله - عن رفع الأمانة قال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على رجلك... فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا حتى يقال للرجل ما أجلده ما أظرفه ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)) (رواه الشيخان)
والحديث يصور انتزاع الأمانة من القلوب تصويرا محرجا فإذا هي ذكريات الخير في النفوس الشريرة تمر بها وليست منها.. وقد تترك فيها أثرا، بيد أنه لا يحيي ضميرا مات، أو شعورا تبلد.
إن الأمانة فضيلة ضخمة لا يستطيع حملها الرجال المهازيل، وقد ضرب الله المثل لضخامتها بقوله: ) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا( [الأحزاب:72] إنها أمانة ثقيلة لا يحملها إلا رجل علت نفسه عن الخيانة والغدر، وعلت همته عن الظلم والجهل، رجل يستطيع أن يصبر على ما يجره ذلك الحمل من نوازغ النفس ومشاق الطريق ومثبطات الواقع، ولا يحملها إلا قلب ويـد ونفس قال فيهن الشاعر:
قلب يطل على أفكـاره، ويـد تمضي الأمور، ونفس لهوها التعب
وإذا كانـت النفـوس كبـارا تعبتْ في مُـرادهـا الأجـســامُ
ومن لا يعلم موازين النّفوس الكبيرة يظنّ ذلك حرمانا من لذّة، أو خداع ألفاظ، ولكن من نذر نفسه لحياة الجدّ ومعالي الأمور يدرك هذه المعاني، بل ولا يجد لذة العيش إلا فيها.
تعجّب غافل من متعب فقال له: (إلى كم تظلّ تتعب نفسك) فكان جواب المتعب سريعا حاسما: (راحتها أريد)
تصف فاطمة بنت عبد الملك زوجها الخليفة عمر بن عبد العزيز فتقول: (كان قد فرّغ للمسلمين نفسه، ولأمورهم ذهنه، وكان إذا أمسى مساء لم يفرغ فيه من حوائج يومه: وصل يومه بليلته).
أيها الإخوة المؤمنون ..هذه جملة من المعاني أبثها بين أيديكم في هذا اليوم العظيم السعيد أعاده الله علينا باليمن والخيرات والبركات، وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنّه هو الغفور الرّحيم.
اللّهمّ تقبّل منّا صيامنا وقيامنا واجعلنا من عبادك الفائزين المرحومين، اللّهمّ أعد علينا رمضان ومنّ علينا فيه بالصّيام والقيام، اللّهمّ إنّا نسألك أن تجعل خير أعمارنا أواخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيّامنا يوم نلقاك، اللّهمّ اختم بالطّاعة أعمارنا، وبالإحسان أعمالنا، وبالسّعادة أيّامنا، اللّهمّ ابسط علينا من بركاتك وخيراتك ورحماتك وفضلك ورزقك، اللّهمّ احفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين من كل مكروه وسوء وبلاء، واجعلنا هداة مهتدين، اللّهمّ احفظنا بالإسلام قياماً، وبالإسلام قعوداً، وبالإسلام رقوداً، ولا تشمت بنا عدوّا ولا حسودا، اللّهمّ وفّق وليّ أمرنا لما تحبّه وترضاه، وأعزّ به أمر دينك وأمر بلادنا، ووفّق سائر ولاة المسلمين في أوطاننا العربيّة والإسلاميّة لما سألناك يا ربّ العالمين.
اللّهمّ وانصر عبادك المظلومين والمضطهدين والمقهورين في الأرض، وكن لهم ناصراً ومعيناً ومسدّداً، اللهم انصر إخواننا في فلسطين، وكن معهم وأيدهم بروح منك وأعل رايتهم واجمع كلمتهم ووحد صفهم، اللهم فكّ أسر المسجد الأقصى الجريح من براثن الصهاينة المعتدين الظالمين، اللّهمّ لا تحرمنا خير ما عندك بشرّ ما عندنا، اللّهمّ لا تحرمنا مغفرتك ورحمتك بشرّ ذنوبنا، اللّهمّ لا تحرمنا منّك وكرمك بجهلنا أو جرأتنا عليك. اللّهمّ افعل بنا ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله.. نحن أهل للتّقصير والخطأ والذّنوب والآثام، وأنت أهل للرّحمة والمنّ والعفو والجود والكرم.. فتمنَّن وارحم، واعف وتكرّم. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

 
 
 
 
احصائيات
المدارس القرآنية
الزوايا
مراكز تكوين الأئمة
المساجد
 
الروابط
مؤسسات الدولة
مواقع الوزارات في العالم الإسلامي

 
المخطوطات
• القرآن و علومه
• الحديث و السيرة النبوية
• عقيدة و توحيد
>> المزيد...
 
اتصل بنا
وزارة الشؤون الدينية والأوقاف
4 شارع تيمقاد - حيدرة -  الجزائر
الهاتف: 608820 21 213
الفاكس: 691569 21 213
 
 
 
 
وزارة الشؤون الدينية والأوقاف  ©   تصميم GSI